دماء تصرخ على خليج سرت

يوم الخميس ١٢ فبراير سنة ٢٠١٥ هو يوم فخار عظيم للكنيسة القبطية الارثوذكية.. مباركة بالحقيقة هذه الكنيسة أم الشهداء.. بل مبارك الرب الذي سند أولاده وقواهم حتى أكملو شهادتهم له بسفك دماؤهم. ٢١ قديساً شهيداً سلمو أنفسهم مثل حملان بين أيدي ذئاب… هكذا تمثلوا بسيدهم الذي كان [ مثل شاه سيق إلى الذبح و مثل خروف صامت أمام الذي يجزه ، هكذا لم يفتح فاه ] .. هكذا كان الشهداء ال-٢١ يقودهم جازيهم وسافكوا دمائهم مثل الحملان الى موقع الذبح الى شاطئ البحر المتوسط في خليج سرت بليبيا . إن بولس الرسول الذي افتخر بكنيسة تسالونيكي انما يفتخر اليوم بكنيسة مصر ويقول لابنائها : [ اننا نفتخر بكم في كل كنائس الله من أجل صبركم وايمانكم في جميع اضطهادكم والضيقات التي تحتملونها بينة على قضاء الله العادل انكم تؤهلون لملكوت السموات الذي لأجله تتألمون أيضاً. إذ هو عادل عند الله أن الذين يضايقوكم يجازيهم ضيقاً وإياكم الذين تتضايقون راحة عند استعلان الرب يسوع من السماء مع ملائكة قوته في نار لهيب معطياً نقمة للذين لا يعرفون الله والذين لا يطيعون انجيل ربنا يسوع المسيح الذين سيعاقبون بهلاك أبدي من وجه الرب ومن مجد قوته متى جاء ليتمجد في قديسيه ] ( ٢ تس ١ : ٤ : ١٠ ) إن الكنيسة التي قدمت دماء كاروزها مار مرقس في القرن الأول هي مازلت تقدم شهداء أقوياء في القرن الواحد والعشرين. طوبى للبطون التي حملت هؤلاء الجبابرة. و طوبى للكنيسة التي زرعت فيهم بذور الأيمان بقوة. و طوبى للذين شهدوا للمسيح الحي أمام أعين كل العالم. إن صور إستشهادهم على شاطئ البحر هي أعظم كرازة للمسيح. سيدونها التاريخ بقلم من نور لاولئك الذين لم يحبوا حياتهم حتى الموت . و لتلك الكنيسة التي نجحت بنعمة الله أن تؤصل الأيمان في أعماق قلوبهم.. لقد كانوا أمناء للمسيح الذي سبق فأحبهم قبلاً وسفك دمه من أجلهم على مرتفعات الجلجثة بأورشليم . وهم اليوم يردون له الحب والولاء على شاطئ خليج سرت في ليبيا . طوباكم يا إخوة ابانوب وأولاد مارمينا ودميانة. أي انسان يقدر أن يصف مقدار الشجاعة التي سندت قلوب أولئك الرجال أمام تهديدات وتخويفات وإغراءت الشيطان الذي كان يقودهم إلى موقع الانطلاق الى المجد. لم ينطق احدهم بكلمة ضعف أو تألموا بل شهد العالم كله أنهم كانوا ينادون إسم الرب يسوع المسيح لكي يسندهم إلى حين إكمال الشهادة. انني أتخيل أنهم كانوا مشغولين بمناظر سماوية مثل اسطفانوس الذي شهد انني أرى السموات مفتوحة وإبن الانسان قائماً عن يمين العظمة!! لعلهم كانو يرون الشهداء رفقائهم الذين كانو تحت المذبح السماوي وهم يصرخون للرب [ حتى متى أيها السيد القدوس والحق لا تقضي وتنتقم لدمائنا من السالكين على الأرض. فاعطوا كل واحد ثياباً بيضا وقيل لهم أن يستريحوا زماناً يسيراً أيضاً حتى يكمل العبيد رفقاؤهم وأخوتم أيضاً العتيدون أن يقتلوا مثلكم ] على شاطئ خليج سرت.. ( رؤ ٦ : ١٠ & ١١) قال أحد المعلقين ” انهم صعايدة أقوياء بالطبيعة ” .. ولكنني لست أظن أن الشجاعة البشرية وحدها كنت قادرة أن تحفظهم طوال مدة ٤٥ يوما منذ تم اختطافهم.. فالشجاعة الطبيعية وحدها لا تكفي لمواجهة كل صفوف التعذيبات و التهديدات المخيفة التي تفنن فيها اعوان ابليس طوال هذه المرة. انما هى نعمة الروح القدس التى فاضت بالقوة و الشجاعة من فوق حتى ثبتوا على امانتهم للمسيح الذى احبهم. و السؤال الذى يتبادر للذهن هو كيف نجحت الكنيسة القبطية الارثوذكسية فى اعداد ابنائها للشهادة للمسيح بهذه القوة و الشجاعة؟! لعل الاجابة هى :- آولا : الكنيسة القبطية علمت اولادها ان يحفظوا وصية الانجيل: و حفظ وصية الله هو اول خطوة فى طريق الاستشهاد.. لان حفظ الوصية هى سير فى الطريق الضيق و هو ذبح للانسان العتيق و كل شهواته.. فالكنيسة تعلمنا ( لا تقدموا أعضاءكم الات اثم للخطية بل قدموا ذواتكم لله كاحياء من الاموات . و أعضاءكم الات بر لله) ( رو ١٣:٦) فالذى يقدم اعضاءه لتطيع وصية المسيح هو مثل الشهيد الذى قدم اعضاءه للسيف… و عندما تتغلب على كبرياءك و عنادك ، فانت شهيد لانك ذبحت شيطان الكبرياء و انكرت ذاتك. اننا نعتبر يوسف انه بدأ السير فى طريق الشهادة عندما قتل شهوته و هرب من امرأة سيده!! و لقد أكد بولس الرسول هذه الحقيقة بقوله ( و لكن الذين هم للمسيح يسوع قد صلبوا الجسد مع الأهواء و الشهوات) (غل٢٤:٥) لقد تعود- شهداء ليبياـ منذ طفولتهم فى الكنيسة ان يصلبوا الجسد و شهواته و ان يخضعوا لوصية الانجيل بالصوم و التوبة.. لقد بداوا طريق الاستشهاد منذ سنوات مضت.. و لسان حالهم ( من اجلك نمات طول النهار قد حسبنا كغنم للذبح) (رو٣٦:٨). ان الاطفال و الشباب الذين تدربوا على ضبط اجسادهم بالصوم ٥٥ يوما فى الكنيسة القبطية فى مصر هم القادرون- بنعمة المسيح- ان يحنوا رقابهم لسكين الاستشهاد على خليج سرت فى ليبيا. ان سير الشهداء التى كانوا يسمعونها فى كل قداس حضروه فى كنيستهم من كتاب السنكسار هى التى كانت تغذى نفوسهم بروح الشجاعة و الاحتمال. بصورة ابهرت العالم كله… ثانيا : الكنيسة زرعت فيهم احتمال الآلام بشكر من اجل المسيح: فالشكر على الآلام و التسليم لمشـيئة الله بدون تذمر هو صورة من صور الاستشهاد.. و ما اكثر المرات التى تعرض فيها هؤلاء الشهداء لظلم الناس و الحرمان من الحقوق و الاهانات المتكررة بسبب انهم مسيحيون، لقد تقبلوا كل ذلك بالشكر حسب ما علمنا الكتاب ( وهب لكم لأجل المسيح لا ان تؤمنوا به فقط بل ان تتألموا لأجله أيضا) (في ٢٩:١). بل لعلهم كانوا يفرحون ( أنهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسمه) (اع ٤١:٥). ان الشكر فى الآلام هو الترجمة العملية لوضوح رؤية الحياة الابدية… كتب احد الاباء : ان الاحساس بالالم هو علامة وجود حياة ، و إحتمال الألم هو علامة قوة هذه الحياة ، والفرح بالالم هو علامة وجود حياة أخرى و- السعي وراء الالم هو حياة في الحياة الاخرى ، . ( و اخرون عذبوا و لم يقبلوا النجاة لكى ينالوا قيامة افضل ) (عب ٢٥:١١) بالحقيقة مباركة هذه الكنيسة التى ارضعت اولادها لبن الشجاعة فظلوا امناء لعريسهم الى النفس الاخير. والآن: هل تظن ان الذي لا يقدر ان يضبط جسده و شهوته و لا يصوم مع الكنيسة.. هل يقدر ان يموت من اجل المسيح ؟ و هل نظن أن الذي تغلبه كبرياءه و عناده و مخاصماته هل يقدر ان يحني رقبته امام سيف الاستشهاد؟ و هل تظن ان الذي يتذمر علي اعمال الله معه.. هل يقدر ان يشهد له بالاستشهاد ؟؟

القمص جرجس جرجس

Share with your friends










Submit